تركياعربي

“انقـ.ـلاب تونس”.. بين التجربة المصرية والتجربة التركية

قال الكاتب بلال التليدي، إنه ثمة اختلاف كبير بين النخب السياسية في تونس على أن قرارات الرئيس قيس سعيد خرجت عن إطار نص الدستور وروحه، وأن التكييف القانوني والدستوري لما أقدم عليه، هو انقـ.ـلاب على الدستور وعلى المؤسسات، وإنهاء لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وإجهـ.ـاض آخر تجربة من تجارب الربيع العربي.
وأضاف الكاتب في مقال رأي في موقع “عربي بوست”، أن حزب الشعب ربما هو الحزب الوحيد الذي رحب بما حصل، إضافة إلى عائلة عبو التي تكنّ عداء كبيرا لحـ.ـركة النهضة التونسية.
ويرى الكاتب أن المجتمع السياسي كله تقريبا يسير في اتجاه رفـ.ـض الانقـ.ـلاب، لاسيما الأحزاب الكبيرة، مثل النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة والقطب الديمقراطي الاجتماعي وحزب العمال والحزب الشعبي الجمهوري والتكتل وآفاق تونس، أي أن الطيف الأيديولوجي كله اجتمع على رفض قرارات الرئيس قيس سعيد، الإسلاميون، والديمقراطيون واليسار وأقصى اليسار.

وأشار الكاتب إلى أن المركـ.ـزية النقابية الأبرز، والتي ظلت تصنع السياسة في تونس لعقود طويلة (الاتحاد التونسي للشغل) أصدر بلاغا غامضا يعكس الخـ.ـلاف بين أمينه العام السيد نور الدين الطبوبي وبعض أعضاء المكتب التنفيذي، فكان في الجوهر مساندا للرئيس وفي الظاهر مشترطا التقيد بالشرعية والضمانات الدستورية، والمنظمة الحقوقية الأكثر فاعلية في تونس (رابطة حقوق الإنسان) هي الأخرى تحمل موقف الرفـ.ـض نفسه. وقال التليدي “لكن، مع هذا الزخم المـ.ـعارض، ثمة ثلاثة تحديات تواجه حركة استعادة الشرعية في تونس، أولها أن المزاج الشعبي تم تثويره ضـ.ـد المؤسسات، وتم صناعة رأي عام غاضب ضد المؤسسات الدستورية وضد التجربة الديمقراطية، حتى أصبحت المقتضيات الدستورية في المزاج الشعبي العام مجرد شكليات لا تعني شيئاً أمام الرغبة العارمة في إنهاء التجربة الديمقراطية، والثقة التامة بإمكان أن يشكّل الرئيس قيس سعيّد المنقذ من الظرفية الاقتصادية والاجتماعية والصحية المزرية التي تعاني منها تونس. ثانيها المزاج الإعلامي، الذي يساير المزاج الشعبي المصنوع، ويدافع عن قرارات الرئيس، ويساهم في خلق رأي عام يتـ.ـهم المجتمع السياسي بكل أطيافه بصناعة الأزمة، ويرى أن الحل في تطهير المجتمع التونسي من هؤلاء السياسيين بل والانتقام منهم، عبر إعمال مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية. والثالث، وهو ما يرتبط بموقف المؤسسة الأمنية والعسكرية، والتي تشير المؤشرات الأولى إلى أنها نزلت لتنفيذ قرارات الرئيس، ومنعت أي محاولة لفتح مجلس النواب في وجه رئيسه وأعضائه، وسط أخبار غير مؤكدة عن مصير مجهول لرئيس الحكومة”. ونوه الكاتب إلى أنه ثمة حركية سياسية كبيرة اليوم من أجل تعبئة الشارع من أجل مقاومة تدابير الرئيس، وثمة تسابق جدي من أجل كسب المبادرة أو منع الآخر من تحقيق مكسب وتقدم على الأرض، فالنهضة سابقت الدعوة إلى النزول للشارع من أجل حماية مكتسبات الثورة والتجربة الديمقراطية، والرئيس استبق الكل بالحديث عن إرادة ما لاستعمال السلاح ضد الدولة ووجود قرار تم أخذه يجيز للـ.ـقـ.ـوات المسـ.ـلحة وقوات الأمن إطلاق الرصـ.ـاص بكثافة عليهم. وبقية المجتمع السياسي يسعى للتكـ.ـتل وإصدار مواقف مشتركة رافـ.ـضـ.ـة لقرارات الرئيس. وأضاف “حتى الساعة تم تبـ.ـاطؤ كبير في إصدار المواقف الدولية، فباستثناء تركيا وليبيا اللتين أعلنتا بشكل رسمي رفضها الانقـ.ـلاب على الشرعية، يسود هناك صمت مطبق من طرف المجتمع الدولي، في حين، تستعد الجزائر التي تستشعر خط التحول في تونس على مصالحها الحيوية، لبعث وزير خارجيتها لتونس لبحث الموقف، خاصة وأن خط الدعم الأول للانقلاب في تونس تم بإسناد إماراتي، وهو نفس الإسناد الذي تقدمه الإمارات للجنرال حفتر الذي يهـ.ـدد المصـ.ـالح الحيوية للجزائر من الحدود التونسية”.

وقال التليدي “الديناميات المتقابلة بين الطرفين المتصـ.ـارعين، الذي ينسب الأزمـ.ـة للمجتمع السياسي، ويريد تحويل السلـ.ـطة من المؤسسات التي صنعتها تجربة الربيع الديمقراطي إلى الرئيس، والذي ينسب الأزمة إلى سلوك الرئيس وطبيعة علاقاته البيـ.ـنية المتوتـ.ـرة مع المؤسسة التشريعية والمؤسسة الحكومية، هذه الدينامـ.ـيات تضع أمامها سيناريوهين اثنين: السيناريو المصري المنقـ.ـلب على الديمقراطية، والسيناريو التركي الذي أفشل الانقـ.ـلاب، مع ترقب وانتظار للمبادرات التي سيقدم عليها كل طرف على حدة”.
ويرى أن الرئيس يسارع الزمن من أجل اتخاذ إجراءات فورية لتقـ.ـوية سلطته ومنـ.ـع المجتمع السياسي من التحـ.ـرك لاستعادة المؤسسات، وذلك بالاستقواء بالجيش والمؤسسات الأمنية وإسناد من الإعلام واستثمار في المـ.ـزاج الشعبي الحانق على نتائج التجربة الديمقراطية، بينما تتجه القوى السياسية إلى خلق حالة مقاومة شعبية واسعة، تقنع المؤسسة العسكرية والأمنية إلى الرجوع إلى مقتضيات الدستور وفـ.ـك النـ.ـزاع وإدارته داخل سقفه لا بالاستقواء بها.
ونوه الكاتب أن السيناريو المصري ممكن، لكن ما يجعله صعبا، أن جزءا كبيرا من المجتمع السياسي يقاوم إجراءات الرئيس مع اختلافه مع النهضة وتجربتها في الحـ.ـكم، كما أن المؤسسة العسـ.ـكرية والأمنـ.ـية ليست بالصلابة التي عليها المؤسسة العسـ.ـكرية والأمنيـ.ـة المصرية، فهذه المؤسسة في أي وقت يمكن أن تميل كفتها لمن ترجحت كفته في الشارع، كما أن الجوار الإقليمي يمانع التحول في تونس، سواء منه الجزائري الذي يبدو خارج السياق، ولم يحط علما بالتحولات التي يمكن أن تعرفها تونس، أو الجوار الليبي الذي يقاوم بقوة هذا التحول ويعتبره مُضراً بالمصالح الحيوية لليبيا واستقرارها وبحثها عن استعادة الحياة المؤسسية بها. وأشار إلى أن السيناريو التركي أيضا ممكن، لكنه يتوقف على القدرة على نسج تحالفات واسعة تقوم على تصور مستقبل سياسي تقدم فيه النهضة تنازلات مهمة من أجل تقوية منـ.ـاعة النسيج المـ.ـقاوم لقرارات الرئيس، كما يتوقف على استباق الموقف الدولي، بتعبئة شعبية عارمة، تكون قادرة على إقناع المؤسسة العسـ.ـكرية والأمنـ.ـية بالرجوع إلى نص الدستور وتحكيم مقتـ.ـضياته.
ويرى الكاتب أت البعض يعتقد أن السيناريو المصري سيكون هو الراجح، وأن الرئيس قيس سعيد لم يقدم على هذه الخطوة حتى ضمن الإسناد الخارجي ودعم المؤسسة العسكرية والأمنية (تحليل الرئيس السابق المرزوقي) لكن تحـ.ـديـ.ـات هذا السيناريو (ممـ.ـانعة طيف واسع من المجتمع السياسي، ممانعة الجوار الإقليمي، هشاشة المؤسسة الأمنـ.ـية والعسـ.ـكرية) تجعل الحسم للدينامية المجتمعية، ومدى قدرة هذا الطرف أو ذاك على التحكم في الشارع وإظهار قدرة في الاتجاه بهذا السيناريو أو ذاك لمداه.

وقال التليدي “إلى الآن لا يظهر من سلوك المؤسسة العسكرية والأمنية أي انحياز مطلق لهذا السيناريو أو ذاك، وإن كانت تنفذ القرارات الرئاسية، لكن، في كل التجارب، تأخذ هذه المؤسسة وقتها، وتراقب الشارع، وترتب بعدها الموقف بحسب تقديرها للكفة الراجحة، إذ ما يحدد موقفها دائما هو الانحياز للاستقرار والأمـ.ـن أكثر من خدمة سيناريو مكلف قد يعـ.ـرض مستقبل البلد للفوضـ.ـى والخـ.ـطر”. وختم مقاله بالقول “الأيام المقبلة إن لم تكن الساعات القليلة القادمة، ستظهر مزيدا من المؤشرات التي تحدد أي السيناريوهين سيكون الأقدر على التحقق، السيناريو المصري أم السيناريو التركي، وإن كانت التجارب السابقة في تونس أفضت إلى إفشـ.ـال محاولات إجهـ.ـاض التجربة الديمقراطية، واتجهت نحو النزول عند صيغة الحد الأدنى من الوفاق التي تقدم فيها حركة النهـ.ـضة تنازلات مهمة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى